القاضي عبد الجبار الهمذاني
119
المغني في أبواب التوحيد والعدل
الفحص عن معانيها . فإن أردت بالإيقاع الاضطرار والإلجاء ، فقد بنيا القول فيه . وإن أردت تقوية الدواعي إلى اختيار الفساد ، فهو الّذي بيناه . وكذلك القول فيما ذكرته من الإخراج عن الطاعة في أنه ينبغي أن يقسم هذه القسمة . فإن قال : إن كان الّذي ذكرتموه مفسدة ، فيجب أن يكون تكليفه تعالى الفعل الّذي يكفر العبد فيه مفسدة لأنه اختار عنده الفساد . قيل له : لو تأملت ما قلناه لوجدته مباينا لما ذكرته ، لأن الّذي قطعنا فيه أنه مفسدة أن يكون مقتضيا في المكلف العدول عن طريقة الصلاح والمضي « 1 » على الطاعة على جهة الاختيار عند هذا الفعل ، ولولاه لكان سيمضى على سنن الطاعة ، فيكون هو السبب الصارف عن الصلاح إلى الفساد ، ولولاه لوقع / البيان « 2 » على الإصلاح . وليس كذلك حال التكليف المبتدأ ، لأنه لولاه كان يتعذر عليه المضي على سنن الطاعة واختيار المصلحة ، وبه يتمكن من الصلاح والفساد . فإذا ثبت ذلك علم مباينته له في الوجه الّذي له قلنا إنه مفسدة . ويبين ذلك أن المفسدة هي « 3 » السبب الداعي إلى إيثار أمر ، لا السبب الممكن لكلا الأمرين . وما ذكرته يمكن منهما وبزواله يزول التمكن . وما قلنا [ هو ] سبب لإيثار أحدهما على الآخر ، وبزواله يزول الإيثار دون التمكين . وكما لا يقال في التمكين إنه داع من حيث كان تمكينا ، ويقال فيما بيناه إنه داع ، فكذلك القول في وصفه بأنه مفسدة . ويبين ذلك أن أحدنا إذا دبر ولده ففعل ما مكنه به من التأديب والعلم لا يعد ذلك في اللطف والمفسدة ؛ والّذي يعد في ذلك رفقه به إذا علم أنه يختار التعلم عنده ، وحرقه « 4 » به إذا علم أنه يترك التعلم عنده . وكذلك لو « 5 » دعا أحدنا غيره
--> ( 1 ) معطوف على طريقة الصلاح : والمعنى يتقضى العدول عن المضي على الطاعة . ( 2 ) مطموسة . ( 3 ) في الأصل : « هو » . ( 4 ) هكذا ورد ، ولعله : « وحزنه عليه » . ( 5 ) في الأصل : « فلو » .